فصل: التفسير المأُثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير المأُثور:

قال السيوطي:
{وَالْعَصْرِ (1)}
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة {والعصر} بمكة، وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مليكة الدارمي وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة {والعصر إن الإنسان لفي خسر} إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: شهدت عمر حين طعن فأمنا عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن بالعصر و{إذا جاء نصر الله} [النصر: 1] في الفجر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ: {والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وانه لفيه إلى آخر الدهر}.
وأخرج عبد بن حميد عن إسماعيل بن عبد الملك قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ قراءة ابن مسعود: {والعصر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: قرآنا: {والعصر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود.
وأخرج عبد بن حميد عن حوشب قال: أرسل بشر بن مروان إلى عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال: كيف كان ابن مسعود يقرأ {والعصر} فقال: {والعصر إن الإنسان لفي خسر وهو فيه إلى آخر الدهر} فقال له بشر: هو يكفر به. فقال عبد الله لكني أومن به.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {والعصر} قال: ساعة من ساعات النهار. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {والعصر} قال: هو ما قبل مغيب الشمس من العشي.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {والعصر} قال: ساعة من ساعات النهار، وفي قوله: {وتواصوا بالحق} قال: كتاب الله {وتواصوا بالصبر} قال: طاعة الله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي {والعصر} قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى: {إن الإنسان لفي خسر} قال: الناس كلهم، ثم استثنى فقال: {إلا الذين آمنوا} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وعملوا الصالحات} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وتواصوا بالحق} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وتواصوا بالصبر} يشترط عليهم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} يعني أبا جهل بن هشام {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ذكر عليًّا وسلمان. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في السورة الكريمة:

قال عليه الرحمة:
سورة العصر:
قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم
{بسم الله} كلمة من سمعها لم يدخر عنها ماله، لأنه علم أنه سبحانه يحسن مآله، ومن عرفها لم يؤثر عليها نفسه، لأنه لم يوجد بدونها أنسه. كلمة من صحبها لم يمنع عنها روحه، إذ وجد الحياة الأبدية له ممنوحة.
قوله جلّ ذكره: {وَالعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ}.
{العصر}: الدهر- أقسم به.
ويقال: أراد به صلاةَ العصر. ويقال: هو العَشِيّ.
{الإنسان}: أراد به جنْسَ الإنسان.
{والخُسْر}: الخسران.
والمعنى: إن الإنسان لفي عقوبةٍ من ذنوبه. ثم استثنى المؤمنين فقال: {إلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ}.
الذين أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حقُّ، وتواصوا بما هو حَسَنٌ وجميلٌ، وتواصوا بالصبر.
وفي بعض التفاسير: قوله: {الذين آمنوا} يعني أبا بكر، {وعملوا الصالحات}: يعني عمر.
و{تواصوا بالحقِّ} يعني عثمان، و{تواصوا الصبر} يعني عليًّا- رضي الله عنهم أجمعين.
والخسرانُ الذي يلحق الإنسان على قسمين: في الأعمال ويتبيَّن ذلك في المآل، وفي الأحوال ويتبيَّن ذلك في الوقت والحال؛ وهو القبضُ بعد البسط، والحجبةُ بعد القربة، والرجوعُ إلى الرُّخَصِ بعد إيثار الأَشَقِّ والأولى.
{وتواصوا بالحقِّ}: وهو الإيثارُ مع الخلق، والصدقُ مع الحقِّ.
{وتواصوا بالصبر}: على العافية... فلا صبرَ أَتَمُّ منه.
ويقال: بالصبر مع الله.. وهو أشدُّ أقسام الصبر. اهـ.

.من فوائد ابن العربي في السورة الكريمة:

قال رحمه الله:
سورة العصر فِيهَا آيَةٌ واحدة:
وَهِيَ قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ}: قال مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ رَجُلًا عَصْرًا لَمْ يُكَلِّمْهُ سَنَةً، وَلَوْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَهُ الْعَصْرَ لَمْ يُكَلِّمْهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْعَصْرَ هُوَ الدَّهْرُ.
قال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بِنَاءُ (ع ص ر) يَنْطَلِقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي، فَأَمَّا مَا يَتَعلق بِالزَّمَانِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
الأول: الْعَصْرُ الدَّهْرُ.
الثَّانِي: الليل وَالنَّهَارُ.
قال الشَّاعِرُ:
وَلَنْ يَلْبَثَ الْعَصْرَانِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ** إذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا

الثَّالِثُ الْعَصْرُ: الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ.
قال الشَّاعِرُ:
وَأَمْطُلُهُ الْعَصْرَيْنِ حَتَّى يَمَلَّنِي ** وَيرضى بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَالْأَنْفُ رَاغِمٌ

وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَصْرَ مِثْلُ الدَّهْرِ؛ قال الشَّاعِرُ:
سَبِيلُ الْهَوَى وَعْرٌ وَبَحْرُ الْهَوَى غَمْرٌ ** وَيَوْمُ الْهَوَى شَهْرٌ وَشَهْرُ الْهَوَى دَهْرٌ

يُرِيدُ عَامًا.
الرَّابِعُ أَنَّ الْعَصْرَ سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ قالهُ مُطَرِّفٌ، وَقَتَادَةُ.
قال الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّمَا حَمَلَ مَالِكٌ يَمِينَ الْحَالِفِ أَلَّا يُكَلِّمَ أمرا عَصْرًا عَلَى السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ، وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَغْلِيظِ الْمَعْنَى فِي الْأَيْمَانِ.
وَقال الشَّافِعِيُّ: يُبَرُّ بِسَاعَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ؛ وَبِهِ أَقول، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ عَرَبِيًّا، فَيُقال لَهُ: مَا أَرَدْت؟ فَإِذَا فَسَّرَهُ بِمَا يُحْتَمَلُ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلَّ، وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يُفَسِّرُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

.قال التستري:

{إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} [3]
يعني أدوا الفرائض كما فرضت عليهم.
{وَتَوَاصَوْاْ بالحق} [3] أي بالله عزَّ وجلَّ.
{وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [3] على أمره.
قيل: وما الصبر؟ قال: لا عمل أفضل من الصبر، ولا ثواب أكبر من ثواب الصبر ولا زاد إلا التقوى، ولا تقوى إلا بالصبر، ولا معين على الصبر لله إلا الله عزَّ وجلَّ.
قيل: الصبر من الأعمال؟ قال: نعم الصبر من العمل بمنزلة الرأس من الجسد، لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه.
قيل: ما أجل الصبر؟ قال: أجله انتظار الفرج من الحق.
قيل: فما أصل الصبر؟ قال: مجاهدة النفس على إقامة الطاعات وأدائها بأحكامها وحدودها ومكابدتها على اجتناب المعاصي صغيرها وكبيرها.
قيل: والناس في الصبر كيف هم؟ قال: الناس في الصبر صنفان: فصنف يصبرون للدنيا حتى ينالوا منها ما تشتهي أنفسهم، فهو الصبر المذموم، وصنف يصبرون للآخرة طلبًا لثواب الآخرة وخوفًا من عذابها.
قيل: فالصبر للآخرة هو على نوع واحد أو على أنواع؟ قال: الصبر للآخرة له أربع مقامات: فثلاث منها فرض، والرابع فضيلة: صبر على طاعة الله عزَّ وجلَّ وصبر على معصيته وصبر على المصائب من عنده.
أو قال: صبر على أمر الله عزَّ وجلَّ، وصبر على نهيه، وصبر على أفعال الله عزَّ وجلَّ، فهذه ثلاث مقامات منه، وهي فرض، والمقام الرابع فضيلة وهو الصبر على أفعال المخلوقين.
قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] الآية، كم بالمثل وفضل الصبر، ثم قال: {واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله} [النحل: 127] ولا يعين عليه إلا هو.
ولقد لحق رجل بأويس القرني رحمه الله فسمعه يقول: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة وبدن عاري، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس شيء من الدنيا إلا ما على ظهري.
قال: وعلى ظهره خريقة قد تردى بها.
قال: وأتاه رجل فقال له: يا أويس كيف أصبحت؟ أو قال: وكيف أمسيت؟ قال: أحمد الله على كل حال، وما تسأل عن حال رجل إذا هو أصبح ظن أنه لا يمسي، وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح، إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحًا، وإن حق الله عزَّ وجلَّ في مال المسلم لم يدع له في ماله فضة ولا ذهبًا، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع لمؤمن صديقًا، نأمر بالمعروف فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعوانًا، حتى والله لقد قذفوني بالعظائم، وأيم الله لا أدع أن أقوم لله فيهم بحقه، ثم أخذ الطريق.
فهذا أويس قد بلغ هذا المقام في الصبر.
والله سبحانه وتعالى أعلم. اهـ.

.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ}
هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن هذا المخبر عنه أنه في خسر إنسان واحد بدليل إفراد لفظة الإنسان، واستثناؤه من ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات يقتضي أنه ليس إنسانا واحدًا.
والجواب عن هذا هو أن لفظ الإنسان وإن كان واحدًا فالألف واللام للاستغراق يصير المفرد بسببهما ما صيغة عموم، وعليه فمعنى أن الإنسان أي أن كل إنسان لدلالة (ال) الاستغراقية على ذلك، والعلم عند الله تعالى. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
سورة العصر:
{إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ (2)}
قوله: {إِنَّ الإنسان}: المرادُ به العمومُ بدليلِ الاستثناءِ منه، وهو مِنْ جملةِ أدلة العمومِ.
وقرأ العامَّةُ: {لَفي خُسْرٍ} بسكونِ السينِ. وزيد بن علي وابنُ هرمز وعاصم في روايةٍ بضمِّها، وهي كالعسر واليُسْرٍِ، وقد تقدَّما أولَ هذا التصنيفِ في البقرة. اهـ.